مجمع البحوث الاسلامية
587
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
صدق ما ذكرناه . فالعبد المخلص للّه بالحبّ لا بغية له إلّا أن يحبّه اللّه سبحانه ، كما أنّه يحبّ اللّه ، ويكون اللّه له كما يكون هو للّه عزّ اسمه ، فهذا هو حقيقة الأمر . غير أنّ اللّه سبحانه لا يعدّ في كلامه كلّ حبّ له حبّا - والحبّ في الحقيقة هو العلقة الرّابطة الّتي تربط أحد الشّيئين بالآخر - على ما يقضي به ناموس الحبّ الحاكم في الوجود . فإنّ حبّ الشّيء يقتضي حبّ جميع ما يتعلّق به ، ويوجب الخضوع والتّسليم لكلّ ما هو في جانبه ، واللّه سبحانه هو اللّه الواحد الأحد الّذي يعتمد عليه كلّ شيء في جميع شؤون وجوده ويبتغي إليه الوسيلة ، ويصير إليه كلّ ما دقّ وجلّ ؛ فمن الواجب أن يكون حبّه والإخلاص له بالتّديّن له بدين التّوحيد وطريق الإسلام ، على قدر ما يطيقه إدراك الإنسان وشعوره ، وإنّ الدّين عند اللّه الإسلام ، وهذا هو الدّين الّذي يندب إليه سفرائه ، ويدعو إليه أنبيائه ورسله ، وخاصّة دين الإسلام الّذي فيه من الإخلاص مالا إخلاص فوقه ، وهو الدّين الفطريّ الّذي يختم به الشّرائع وطرق النّبوّة كما يختم بصادعه الأنبياء عليهم السّلام ، وهذا الّذي ذكرناه ممّا لا يرتاب فيه المتدبّر في كلامه تعالى . وقد عرف النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله سبيله الّذي سلكه بسبيل التّوحيد ، وطريقة الإخلاص على ما أمره اللّه سبحانه ، حيث قال : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يوسف : 108 ، فذكر أنّ سبيله الدّعوة إلى اللّه على بصيرة الإخلاص للّه من غير شرك ، فسبيله دعوة وإخلاص ، واتّباعه واقتفاء أثره إنّما هو في ذلك ، فهو صفة من اتّبعه . ثمّ ذكر اللّه سبحانه أنّ الشّريعة الّتي شرّعها لها صلّى اللّه عليه وآله هي الممثّلة لهذا السّبيل : سبيل الدّعوة والإخلاص ، فقال : ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها الجاثية : 18 ، وذكر أيضا أنّه إسلام للّه ؛ حيث قال : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ آل عمران : 20 ، ثمّ نسبه إلى نفسه وبيّن أنّه صراطه المستقيم ، فقال : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ الأنعام : 153 ، فتبيّن بذلك كلّه أنّ الإسلام - وهو الشّريعة المشرّعة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الّذي مجموع المعارف الأصليّة والخلقيّة والعمليّة وسيرته في الحياة - هو سبيل الإخلاص عند اللّه سبحانه الّذي يعتمد ويبتني على الحبّ ، فهو دين الإخلاص ، وهو دين الحبّ . ومن جميع ما تقدّم على طوله يظهر معنى الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها ، أعني قوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فالمراد - واللّه أعلم - إن كنتم تريدون أن تخلصوا للّه في عبوديّتكم بالبناء على الحبّ حقيقة فاتّبعوا هذه الشّريعة الّتى هي مبنيّة على الحبّ الّذي ممثّله الإخلاص والإسلام ، وهو صراط اللّه المستقيم الّذي يسلك بسالكه إليه تعالى ، فإن اتّبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشّأن أحبّكم اللّه وهو أعظم البشارة للمحبّ ، وعند ذلك تجدون ما تريدون ، وهذا هو الّذي يبتغيه محبّ بحبّه ، هذا هو الّذي تقتضيه الآية الكريمة بإطلاقها . وأمّا بالنّظر إلى وقوعها بعد الآيات النّاهية عن اتّخاذ